زكريا القزويني

272

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

حكيم في بلد أو قرية ، وقد ابتلى بعشق امرأة رعناء فاجرة سيئة الخلق وهي في أكثر الأوقات تطالبه بالمأكول الطيب والمشروب اللذيذ والثياب الفاخرة والمسكن المزخرف والشهوات المردية ، وإن ذلك الحكيم من شدة محنته بعظم محبتها وعظم بلائه بصحبتها ، قد صرف كل همته إلى إصراف أمرها وأكثر عنايته إلى إصلاح شأنها ، وقد نسي أمر نفسه وإصلاح شأنه وبلدته وأقاربه الذين نشأ فيهم ، ونعمته التي كان فيها ولا راحة لهذا الحكيم إلا بمفارقة هذه المرأة والتسلي عن حبها ، ولكنه إن سمع هذا الحديث تنشق مرارته من خوف مفارقتها . ولا يخفى أن النفوس جواهر روحانية لا حاجة لها إلى الأكل والشرب واللباس والنكاح ، فإن كل ذلك مما يحتاج إليه البدن في قوام وجوده ، والنفس ما دامت مع هذا البدن تكثر همومه لإصلاح هذا البدن ، ولا راحة للنفس دون مفارقته كما قلنا : إن الحكيم المبتلى بحب المومسة لا راحة له إلا بمفارقتها والسلو عنها ، واللّه المستعان ، وعليه التوكل . 83 فصل : في نفوس عجيبة التأثيرات ذهب أهل الحق إلى أن النفوس مختلفة بحسب جواهرها فمنها نفوس علوانية نورانية لها شعور بعالم الأرواح فتستفيد بالفيض من عالم الأرواح أمورا عجيبة ، ومنها نفوس كثيفة كدرة مشغوفة بالجسمانية لاحظ لها من عالم الأرواح . وذهب بعض الحكماء إلى أن النفوس الناطقة جنس تحته أنواع ، وتحت كل نوع أفراد لا يخالف بعضها بعضا إلا بالعدد ، وكل نوع منها كالولد لروح من الأرواح السماوية ، وهذا هو الذي تسميه أصحاب الطلسمات بالطباع التام ، ويزعمون أنه يتولى إصلاح تلك النفوس تارة بالمنامات وتارة بالإلهامات وتارة بالنفث في الروح ، فمن النفوس الفاضلة نفوس الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ، فإن اللّه تعالى لما أراد أن يجعلهم قدوة للخلق جمع في نفوسهم أنواع الفضائل ، ونفى عنها أصناف الرذائل ؛ لاقتداء الخلق بهم وأظهر عليها الآثار العجيبة لانقياد الخلق إليهم . ( ومنها نفوس الأولياء ) فإنها لما كانت لنفوس الأنبياء مشتبهة بها صدرت عنها آثار عجيبة كما ذكرنا في مقامات الزهاد والعباد والعارفين من شفاء المرضى باستشفائهم ، وسقي الأرض باستسقائهم وصرف الوباء والمؤذيات بدعائهم ، وتبدل نفرة الطيور بالهدوء والوقوع وصولة السباع بالبصبصة والخضوع ، وإلى غير ذلك من الأمور التي تحكي عنهم .